Monday, August 20, 2012

"الشيخ النص كوم" لا يمثلني (الجزء الأول)

إخلاء مسؤولية: هذا المقال لا ينتقد أي شخصية أو جهة أو طائفة دينية، ولا يتضمن أي محاولة للإفتاء.

في هذا المقال وتوابعه سأكتب عن موضوع نكاد نواجهه بشكل يومي في مجتمعنا سواء في العمل أو الشارع أو الجامعة أو الأماكن العامّة مع أكثر من شخصية من الناس وكلهم يشتركون بنفس الشيء؛ الجهل.

الشخصية الأولى:
"طلعتلك اليوم مع شوفير تكسي شيخ، شكله بخوّف، وشو؟ حاطط دروس دين! بس ما خلّى بنت من شره في الطريق. ما صدقت إني وصلت ونزلت، مامّا!"
"شفتي فلانة اللي بتشتغل مع التيار الإسلامي، طول نهارها من شب لشب، قال شغل قال"
"شفتي هديك المحجبة، اختصريها وبعدي عنها لأنه عليها لسان بفري على بلد"
"هادا الشيخ عصبي، تعال نستفزه ونتسلّى عليه"
العبارات السابقة وغيرها الكثير من العبارات الشبيهة والتي نسمعها بشكل يومي هي التي دعتني لكتابة هذا المقال.

في مجتمعنا (الشرقي) والذي يخلط بين "العادات والتقاليد" وبين "الدين"؛ نشأ نوع من الناس يعتبر أن الدين هو عبارة عن عادات وتقاليد وشكليات فقط لا غير، فالحجاب والاحتشام عنده هما من باب الشرف والعادات بينما الكذب والخداع من باب الشطارة والذكاء، وهناك نوع آخر من الناس يصيبهم حالة من التغيّر المفاجىء حين يكونوا بعيدين كل البُعد عن الدين ليتغيرّوا ويصبحوا يتكلمون باسمه ويناقشون تحت عنوانه ويحللون ويحرّمون ويحاسبون جميع المخلوقات وكأنهم هم معصومين عن الخطأ! كِلا هذان النوعان من الناس للأسف لم يأخذوا من الدين غير الشكليات والمظاهر. هؤلاء المستشيخين -ومن جهلهم- يبدأوا بترهيب كل من يرونه في طريقهم -عن حسن نية ربما- بدعوتهم إلى الإسلام وبإعطاء الأحكام على الطاير، فينفّرون من الدين أكثر مما يدعون إليه، رغم أن الله تعالى قال:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [سورة النحل : 125].

تبدأ المشكلة بتغيير المظهر العام والذي يتضمن -كما يظن أصحاب النُص كوم- أن الدين الاسلامي هو عَقدٌ في الحاجبين، وعُبوسٌ في الوجه، وكآبة، وثوبٌ أسود قصير، ولحية طويلة، وتصخّر في القلب، ومسبحة في اليد، وقلةُ كلام مع تطنيش أو جعلك تحس بأن كلامك هو عبارة عن لغو الحديث بحيث عندما تنتهي من كلامك أو سؤالك ينظر إليك ثم يدني رأسه ويقول "أستغفر الله" مع صفنة، بالإضافة إلى بعض المظاهر الخارجية الأخرى والتي تجعل كل مَن ينظر إليه يعرف أنه يمثّل الإسلام؛ مثل الكلام في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. بالمختصر المفيد هؤلاء الناس يحاولون الظهور كعلماء فيقوموا بتقليدهم بشكل خاطئ، ويلبسون مثلهم ويتحدثون بنفس طريقتهم وكلامهم، وهم بعيدين كل البعد عن ثقافتهم وعلمهم وتقواهم، فيصيبهم الغرور والتعالي فيظنون أنهم هم الوحيدون الذين على صواب، بعدها يبدأون بمحاولة جعل الآخرين نسخة منهم بمحاولة إجبارهم الاقتداء بهم والدخول في دوائرهم عن طريق كثرة المواعظ والنُّصح، مما يدفع الناس إلى النُّفرة منهم ومن كل مَن يشبههم (للأسف! حتى لو كانوا أهل علم) بسبب المَلَل والسَّآمة.

مميزات هذه الشخصية
هذه الشخصية تعتبر نفسها الشخصية المسؤولة عن الخير في مجرّة درب التبانة وضواحيها، فتعطي نفسها مسؤولية الوصاية على العالم لتحرره من كل شر، وتلعب دور الرقيب الحسيب، وتعطي نفسها الحق في التدخل بأي خصوصية من أجل مصلحتك -التي تجهلها أنت- ومصلحة البشرية.
من مميزاتها أيضاً أنها تحوّل الحياة إلى لونين فقط لا ثالث لهما "أبيض" (والذي يمثلهم ويمثل من يسلك طريقهم) ولون "أسود" (يمثّل من تبقى من العالم)، لا تعرف غير كلمات مثل: "حرام"، "غلط"، "عقاب"، "ﻻ يجوز" حيث يحوّلون الدين إلى قائمة طويلة من المحرمات من ضمنها تحريم مباهج الحياة التي قال عنها القرآن الكريم (الطيبات من الرزق). فتضع العالم في دوائر وحدود ومَن يخرج عنها فسيحصل على الوسام الرفيع في الخيانة ووجب عليه العقاب الذي يحددوه هم، وهذا ناتجٌ عن قلة العلم وعدم مراعاة أحوال الناس واختلاف طبائعهم.
من أكثر مميزات هذه الشخصية أيضا هي الكيل بمكيالين، فالتناقض بين الكلام والفعل قد تجده واضحاً جلياً. فيحرّم أشياء على غيره ويجد المخرج (الفتوى) عندما يصبح الموضوع خاصاً به، مما قد يوقع أمثال هؤلاء الأشخاص بالغرور بأفعالهم وتعاليهم وجفاء طبعهم. يقول طارق سويدان :"لم أر غروراً أشد من غرور المتديّن الذي يعتبر نفسه يتكلم بإسم الشرع بينما يقول الإمام الشافعي: ما جادلت أحداً إلا وتمنيت أن يُظهر الله الحق على لسانه دوني" (http://bit.ly/OfScRA).

المشكلة الكبرى في هذه الشخصية هي: "الجهل"، فهذه الشخصية لن تتقبل الحوار ولن تتقبل وصفها بالتشدد أو الجهل،
فلو قام هؤولاء الناس باستبدال الترهيب والتنفير والوعيد بالترغيب وبلغة الحوار وبالمجادلة الحسنة لاختلفت كثير من الأمور، أو لو قاموا باستخدام هذا التشدد في أماكن أخرى بعيدة عن الجهل والدين؛ حيث يمكن تحويل هذا التشدد عن الدين إلى استخدامه في معايير العمل الخاصة بنا لإعطاء معايير وجودة أعلى في أعمالنا، فما يميّز أي عمل ناجح هو الجودة العالية والتشدد والانضباط في تطبيق هذه المعايير مفيد جدا لنتائج أفضل، وبالتالي يشارك هؤلاء المتشددون ببناء العالم بطرق إنسانية متحضرة، فالموظف الذي لا يقبل الخطأ في عمله هو أفضل قدوة لغيره في العطاء والإنتاجية، على عكس الأشخاص المتشددين أو الجاهلين في الدين، قال الإمام محمد عبده عندما رجع من بعثته من أوروبا: (وجدتُ في أوروبا مسلمين بلا إسلام ووجدتُ في بلدي إسلام بلا مسلمين!). أما إذا كان هدفهم ترك أعمالهم وحياتهم والتفرغ للدعوة إلى الإسلام فعليهم الإلتزام بضوابط الدعوة وتحسين طريقة تعاملهم مع الناس بالكلمة الطيبة وهذا يأتي بعد رحلة طويلة جداً جداً جداً في بحر العلم وليس في فترة قصيرة كما يحصل مع أغلب هؤلاء الناس. فإن لم يستطيعوا فعل أي شيء من الذي سبق، فعليهم بالصمت والإنشغال بأنفسهم فذلك خيرٌ لهم وللجميع.
ألم يسمع هؤلاء المتشددين الجاهلين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الدين يُسر، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه)؟ يقول الإمام الغزالي: "إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضّوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم".

التصفية والفلترة
الجانب الآخر من الجهل سأتكلم عن أنفسنا نحن؛ فنحن نأخذ الكلام والأفعال كاملة ومن ثم نعمل لها "فلترة" بأعلى المعايير لنخرجها بأسوأ النصوص، نراقب بعضنا البعض وكأننا معصومين، لو أن كل فرد في هذا المجتمع فكّر في إصلاح حاله لصلح المجتمع ولصرنا ننافس أكثر المجتمعات تقدما وحضارة ولكننا انشغلنا في تصيّد أخطاء غيرنا، فعندما نرى شخصاً يُرى عليه الإلتزام يقوم بعمل بعيد كل البُعد عن الإلتزام نقوم -من جهلنا- بانتقاد الدين بدل أن نقول أن هذا الشخص لا يمثّل الدين بفعله هذا وأن هذا الشخص يقوم بعمل خاطئ ويقوم بإيذاء الدين، وننسى أو نتناسى أنه ربما قد فعل الكثير من أفعال الخير التي تم شطبها في عملية الفلترة ونعطي الأهمية فقط للفعل السيء الذي نقوم بنشره وتضخيمه، والأسوأ من فعلنا هذا أننا عندما نسمع خبراً أو نقرأه في مكان معيّن يخص شخصاً ملتزماً فإننا نبدأ برميه وقذفه وسبّه هو وكل مَن هو في شاكلته دون أن نتأكد من صحة الخبر، ولا يزال السؤال مطروحاً: لماذا هاجمْنا الدين الذي يحرّم هذا العمل بشكل واضح جداً ويعاقب فاعله وليس الشخص نفسه الذي فعله؟ كلنا نسمع هذا الحديث الشريف في شهر رمضان من كل سنة: قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليسَ المؤمِنُ بِطَعّان ولا لعّان ولا فاحِش ولا بَذيء)، وبالتالي:
- الشيخ فلان الذي لا يبر والديه ولا يحترم زوجته لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- زميلتي صاحبة الجلباب والحجاب وذات اللسان السليط لا تمثلني ولا تمثل الإسلام.
- شوفير التكسي صاحب اللحية والنسونجي لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- الموظف الذي يترك عمله 45 دقيقة لكل فريضة للوضوء والصلاة والتعبد خلال وقت الدوام ويؤخّر المراجعين لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- فلانة المحجبة والتي تقضي أغلب وقتها مع صديقها في وضعيات مشبوهة لا تمثلني ولا تمثل الإسلام.
- العامل الذي يقرأ القرآن في وقت دوامه على حساب عمله ووظيفته عند غياب صاحب العمل لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- الشخص الذي يُرجع تقصيره وسوء أدائه إلى الصيام لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- التاجر الذي يصلي كل الفرائض في المسجد لكن يغش زبائنه لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- الشخص الذي يأتي إلى عمله نعسان وتعبان لسهره في العبادة لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
- الشخص الذي ينتمي لتيار إسلامي معيّن ويقوم بالكذب والنصب والإحتيال تحت اسم الإسلام لا يمثلني ولا يمثل الإسلام.
ببساطة، لنغيّر مصطلحاتنا ونطلق على كل محافظ على الصلوات، بار بوالديه، طيب الكلمة، ليّن الجانب، يحفظ حق أهله وجيرانه، مبتسم، صادق، أمين، واضح في الكلام، بعيد عن المعاصي والمنكرات اسم  "ملتزم". والتذكير أن الله سبحانه وتعالى عندما مدح خير خلقه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مدح فيه الخُلُق وليس شكل ملابسه أو طول عبادته أو صيامه أو قيامه  فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[سورة القلم 4].
ليس المطلوب أن يتحول المجتمع إلى علماء دين، المطلوب هو التنوع في المعرفة والعلوم في مجتمعنا، وانشغال كل شخص باختصاصه والرجوع في كل أمر إلى صاحب العلم تحت ضوابط دينية وأخلاقية معروفة للجميع للتفريق بين الخطأ والصواب وإمكانية نسبهما للشخص نفسه وليس للدين الذي هو بريء منه، وليكن حكمنا على الظاهر من الأعمال والأقوال والأفعال، ليس على الأشكال. فالدين علاقة حب تربط الإنسان بربه وتجعله ينصاع لأوامره ويجتنب نواهيه، والله لا ينظر إلى صورنا وأشكالنا لكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

ملاحظة أخيرة: كلامي عن هذه الشخصية من الناس لا ينفي وجود أشخاص كثيرين غيورين، معتدلين، محبوبين من الناس ويُضرب في تقواهم وعلمهم وقولهم الحق المثل، والنظر إليهم أو سماعهم يدخلنا في راحة نفسية كبيرة، أسأل الله لهم الثبات على قول الحق وأختم بقوله تعالى: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا" [سورة الممتحنة 5]

في الجزء القادم إن شاء الله سنناقش المشاكل التي تواجهنا أثناء التعامل مع هذه الشخصية وربما نتكلم عن شخصية أخرى، إذا عندك أي إضافة أو استفسار أو تعليق على المقال الحالي أو إذا عندك مشاكل واجهتك مع هاي الشخصية وحابب نتطرق إلها في الجزء الثاني من هذه السلسلة ممكن تشاركونا فيها في التعليقات في أسفل المقالة، كل عام وأنتم بألف خير كلوا معمول وتقهووا.
الكاتب: مسلم يغار على مجتمعه ودينه.


No comments:

Post a Comment

Archive

About Me

My photo
On a journey of exploration...