لست أدري ما السر؛ فصوت الموسيقى المدوي في أرجاء الحي و المنبعث من سيارة الغاز يأسرني، و يحملني إلى عالم اخر. حيث الصفاء و السكينة!
فما بالك إن كان مقترنا بيوم ربيعي جميل و غناء العصافير و ايضا غناء (نعم غناء) الجرافات!
طربت أذناي لكل هذه الاصوات المبشرة بالجمال و الامان و الهدوء.
بيد أن لحظات الصفو تلك لم تلبث أن تغادرني فيسيطر علي اللاوعي و يحملني على بساط سحري في جولة ذهنية عبر الزمان و المكان!
المحطة الاولى؛ الغرفة رقم ١٦، حيث يعمل الاسرى بكل جد و بدون كلل على حفر نفق يخرج بهم من ظلمات الزنزانة الى نور الحرية، و متفوقين بذكائهم و دهائهم على عدوهم المتفوق نظريا من ناحية تكنولوجية و من حيث القوة..
يداً بيد، متغاضين عن خلافاتهم السياسية، فالهدف هنا أوحد و أكبر و أسمى.
جلست أرقبهم في حلقات العلم التي داوموا عليها أثناء أسرهم، و بُهرت بثقافتهم الواسعة و علمهم الفائض و اصرارهم رغم كل شيء على النهوض.
المحطة الثانية؛ بيت الحكمة- بغداد، تجولت هناك و علامات الذهول بادية على وجهي و شاهدت العلماء من مختلف الاجناس متحلقون حول طاولة دائرية ضخمة، يدرسون حركة النجوم و الفلك و اشياء اخرى كثيرة! كم تمنيت لو أني عشت في ذلك الزمن!
و من ثم انتقل بي البساط الى مصر، حيث بيت المعرفة و كان المشهد مماثلا لذاك في بيت الحكمة، العلماء في كل مكان، يخرجون بأهم النظريات التي غيرت مجرى التاريخ و العلوم الحديثة.
و مررت أيضا بالأزهر؛ الذي اشاده الفاطميين، و الذي لم يزل شاخصا و فاعلا حتى يومنا هذا! و حال لساني يعجز عن التعبير و عيناي خانتاني و أصرتا على ذرف الدموع. كيف لا، و قد الت احوالنا الى ما نحن عليه الان؟! فها نحن طوائف متصارعة متناحرة، قد نسينا او تناسينا الدور الكبير و العظيم الذي قامت به الطوائف المختلفة بالسابق في اثراء البشرية اجمع و العالم أجمع! بالرغم من الاختلاف! و الازهر الان الذي يعود اليه المسلمون من اهل السنة هو بالاصل من بناء الفاطميين و الذين انحدر منهم الان الطوائف التي نقوم بتكفيرها! يا الله!
فلنقرأ تاريخنا، فهو عزة و قوة و استمرارية أي أمة، و هو سلاح ذو حدين؛ و لذا عمد اعداؤنا على تشويهه و حرق كتبنا و تسليط الجهال و البربر منا علينا!
لا شك بأن تخاذلنا و اضاعتنا للدرب الذي بناه اسلافنا ممن كان لهم دور عظيم على البشرية هو احدى الاسباب الرئيسية لما وصلنا اليه الان؛ لكن هذا حال جميع الحضارات، و هي سنة الحضارات.
كم أرغب بمسح بيت الشعر التالي من كتبنا و تاريخنا، فأنا اعتقد انه من اكبر اسباب تخلفنا، حيث أقنعنا أنفسنا بأننا متخلفون و بأننا جهلة و الله يشهد بأننا لسنا كذلك على الاطلاق
"يا أمة ضحكت من جهلها الامم"
لا و ألف لا! لو كنا كذلك حقا، لما استطاع شعبنا المناضل في غزة بشكل خاص و بفلسطين، لما استطاع صنع الصورايخ و القنابل بل و الطائرات بإمكانات محدودة، و هناك الكثير الكثير من الامثلة على عبقرية شعوبنا و قدراتهم الاستثنائية بإمكانات محدودة جدا!
لا ينقصنا العقل، فقد أكرمنا الخالق بأكثر العقول ابداعا و ذكاء، ما ينقصنا هو العزم و الثقة و الايمان و العمل و البحث عن الحكمة و المعرفة!
في الختام، اسمحوا لي بتحريف بيت الشعر السابق الى:
يا أمة أذعنت لعقلائها الأمم
دمتم بحكمة و معرفة
ربى حب الرمان

No comments:
Post a Comment