عله أخطأني- و أنا على يقين تام باستحالة الخطأ و الزلل
في هذا الشأن- في تلك الليلة المكتملة أو الشبه مكتملة القمر!
كان ملك الموت يجوب أنحاء المركز و حصد يومها ثلاث أو
كذا من أرواح المرضى بعد عناء طال أو قصر مع المرض. Code blue الواحد تلو الاخر, و بتعريف المركز "كود بلو" هو جرس
الانذار الذي ينبه على حالة فقدان الوعي أو توقف عمل القلب و الرئتين و على أثره
يسرع فريق مدرب لانعاش المريض.
و هل ينفع أي "كود" في حضرة ملك الموت و
الارادة الالهية؟
لا لم يخطأني, و لكنه تطلع الي و كنت منهمكة في العمل,
حاضرة غائبة, أشعر و لا أشعر! أعمل جاهدة بقلب و بلا قلب!
لم ينظر الي فحسب, بل و كأنه همس الي بصوت لم أسمعه
بوضوح حتى اليوم, بعد قرابة الأسبوع على لقائي به و تواجدي معه في نفس المكان: و
ما أدراك لعله قريب؟
خرجت اليوم بنظرية, ليست وليدة اللحظة على الاطلاق, و
لكن معالمها باتت لي أكثر وضوحا الان حتى اني اطلقت عليها اسم: "نظرية
الامتلاء".
فبالرغم من انشغالي الدائم منذ عدد لا بأس به من
السنوات, و بالرغم من قرائتي المستمرة و تعبئتي أو محاولتي البائسة و المستمرة
لتعبئة نفسي فكريا و انسانيا, فما زلت أشعر بأحيان كثيرة بالفراغ! ليس النوع
العاطفي بالمناسبة!
ذاك الفراغ الذي يشعرك بالجهل المستمر, هو نفسه الذي
يجعل عيناك تجحظان و فكك يسقط (ان صح التعبير) و ثغرك يتحول الى ما يشبه مدخل كهف,
ذهولا لاكتشاف جديد و بالذات على الصعيد النفسي و الروحي و الفكري و الانساني.
أذكر احدى المرضى الذين قابلتهم أثناء دراستي الجامعية,
كان شابا, و كانت حالته صعبة و قد أمضى اخر أربعة أشهر أو أكثر من حياته على سرير
المستشفى و بالتحديد في العناية المركزة.
يقول الاطباء أن شخصا في مثل وضعه لا يعيش كل هذه المدة!
لقد كان جبارا فعلا و من الواضح أنه كان أيضا محبا للحياة. كنت دائما أراه مستلقيا
(بسبب وضعه الصحي) اما يقرأ الجريدة أو القران الكريم أو يعمل عالlaptop هذا و بالرغم من مشقته حتى
أثناء الحديث بسبب ال tracheostomy!
ساءت حالته أكثر يوما ما, كانت حرارته ترتفع و ضغط دمه
ينخفض, و بالرغم من ذلك كله عندما سلمت عليه الدكتورة سائلة عن حاله أجاب ب:"الحمد
لله"!
ألهمني كثيرا, حتى ظننت أن معجزة ستحصل له و سيشفى رغما
عن كل رأي طبي. و لكن و للاسف سمعت بأنه توفي بعد حوالي شهرين.
في لحظة سكون و ابحار في مكنونات نفسي, وجدتني أغبطه لا
أشفق عليه فعلا, لقد كان "ممتلئا" حقا! أوحى الي بأنه من أكثر الناس
فهما للحياة و للنفس بل و أكثر من ذلك, لقد كان من أكثر الناس سعادة ربما. هييء الي
أنه في محنته و عزلته تلك انكشفت له بعض من أسرار الكون, و كشفت له الحقيقة عن
نفسها, و وصل الى ما طالما حلمت بالوصول اليه من الارتقاء و الصفاء الذهني, و وصل
البرزخ ثم عاد منه قبيل وفاته!
أختم بأبيات لأبي العلاء المعري:
بالـقضـاء
الـبـلــيغ كـنا فعـــشـنـا
ثم زلنا
وكـلّ خــلقٍ يــزولُ
نحــن في
هذه البسيطة أضيــاف ٌ
لنــا في
ذرى المليك نزولُ
و أخرى:
لعمرك ما
الدنيا بدار إقامة
وكالحيُّ
في حالِ السلامة آمـن
و من باب
التفاؤل, أترككم مع الأبيات التالية لأبي القاسم
الشابي:
سَأَظلُّ
أمشي رغمَ ذلك عازفاً قيثـارتي مترنِّمـاً بغنـائي
أَمشي بروحٍ حـالمٍ متوهج في ظُـلمةِ الآلامِ والأَدواءِ
النُّور في قلبي وبينَ جوانحي فَعَلامَ
أخشى السَّيرَ في الظلماءِ
إنِّي أنا النَّايُ الَّذي
لا تنتهي أنغامُهُ مـا
دام في الأَحيـاءِ
دمتم ب"امتلاء"!
ربى حب
الرمان

تدوينة رائعة...الله يوفقك لكل خير :**
ReplyDeleteانت الرائعة و الله يوفقنا جمعا لكل خير ♥
ReplyDelete