نظرت الينا السيدة السبعينية و ابتسمت ابتسامة عابتها بضع اسنان مفقودة ،وابتسمت بوجهها تجاعيد هي خريطة زمنية لسنين مضت بحب لرجل نائم على سرير خلفها…نظرت الينا و قالت: "بلف البيت ورا مشان اعطيه ابرة الانسولين" فضحك هو ضحكة قصّر مداها الألم و رد عليها" بعدين معك، هلأ بزعل منك" و من ثم اكمل "ختيرتي، انتي ختيرتي" فوضعت يدها فوق يدها الأخرى تهكما و قد رسم وجهها انعكاسا لوجهه "انت الشباب"…
كانت هذه القصة ينبوع ماء سيفيض في نفسي ليغسل افكار رُسّخت عن قصص الحب الخيالية فقد كانت امي حين تراني امام التلفاز و قد همت بفلم او مسلسل ما تأنبني و تقول "كله حكي فاضي يا ماما…قومي ادرسي احسنلك" و مع اني لم اترك ما كنت اتابع الى اني كنت على يقين بانه كله "حكي مسلسلات" او "افلام" و ان علاقات الحب و الصداقة التي كنت اراها لا تقوى الوجود الّا في ضيق عالم الصندوق الأسود و انها لن تصمد في وسع العالم الحقيقي حيث الشر ينتصر و تترك الفتاة حبيبها من اجل الشاب الغني و تغلب الصداقات المصالح الشخصية….
هكذا كنت اعتقد و لكن مع انتهاء دوامي في قسم العناية المركزة او غرفة الانعاش تغير تفكيري….. اذا دخلت غرفة الإنعاش في الطابق الخامس سيضيق صدرك و انا افهم لأنه العين الغير المدربة سترى اسرّة مرتبة بجانب بعضها و عليها مرضى بعضهم فاقد للوعي و قد بدى الموت على محيا وجهه بشحوبه و استسلامه ،و لكن بعد زمن سترى عينك ما لم تنتبه اليه سابقاً! سترى اشخاصاً اصحاء و لكن متعبين جالسين اما على حافة شباك او كرسي بلاستيكي بجانب المرضى…
سترى اشخاص وجّهت انظارهم الى الأسرّة و قلوبهم تدعي رب الكون او اي قوة عظمى يؤمنون بها ان تترك ايدي الموت الغليظة جسد من على السرير ليعود الى سريره في البيت…و اذا تدربت عينك اكثر سترى قصص حب و صداقة و ابوة اعظم من كل المسلسلات و الأفلام التي حضرتها في حياتك…
رأيت صديق ٤٧ سنة يجلس بجانب صديقه الغائب عن الوعي و بيده كتاب يقرأه منتظرا ان يعود صديقه لجلسات القهوة التي كانت بينهم و سترى ابنة لم تترك والدها يفتح عيناه صباخا وحده منذ اسابيع،خوفا عليه من غربة الروب الأزرق الذي يلبسه و برودة يدين الممرض اذا لامسه. سترى ازواج و زوجات تعدى حبهم غيبوبة المرض و صعوبة الكلام و جابه وفائهم الموت بجبروته.
من انتعش في غرفة الانعاش لم يكن المرضى فقط بل كان املي الميت. فانا اليوم عاد لي املي ان اعيش قصة حب ليست "مثل المسلسلات" بل مثل الحياة و الموت! و عاد لي املي بصداقاتي التي كنت احكم عليها بنهاية الجامعة و عاد لي املي بحبي لأمي و ابي الذي لن يخفف قوة فيضانه الموت نفسه. ربما لا تكون بدايات و نهايات قصص الحب في الحياة ببريق تلك التي في الأفلام إلّا انها اروع و اجمل لأنها ببساطة…حقيقية
تقهووا امل و حب
دينا
photo credit: http://pinterest.com/michigal/why-i-love-old-people/


No comments:
Post a Comment